الفلسفة الإيمانية الإيزيديةتجليات النور الإلهي في الروح والطبيعة

مقالات / خالد إلياس رفو

إن الفلسفة الإيمانية في الديانة الإيزيدية تتميز في جوهرها بخصوصية عميقة نابعة من فهم توحيدي للخالق ومن رؤية روحية وكونية متكاملة تربط الإنسان بالملائكة والطبيعة وتمنح لكل ذرة في الوجود معنى وقدسية .

الإيزيديون يؤمنون بالخالق ( خودا – خودي / الله الواحد الأحد ) حسب الأقوال والسبقات الدينية الإيزيدية :
( خودي ئيكه ئي بي شه ريكه ئي بي هه فاله )
بمعنى ( الله واحد أحد بلا شريك بلا صديق ) .

ويعرف في الإيزيدياتي الخالق ( خودي ) بأسماء متعددة مثل : ( خودي ، يزدان ، إيزيد ، أزدان ، إيزي ، پەدشا ) وكلها تشير إلى الحقيقة المطلقة للوجود الأزلي والنور الأبدي الذي لا ينطفئ أبداً .

( خودي ) هو خالق كل شيء : النور والظلام ، الحق والباطل ، النبات والجماد ، الإنسان والحيوان .
هو الكل في الكل وبه تقوم الحياة ومنه تنبع وإليه تعود .
وهو ليس قوة وجودية بعيدة في أعالي السماوات لا تطال ، بل يسكن في أعماق الأرواح ، حاضر في كل وجه للجمال وكل تجل للكمال وكل نفحة ضمير نابض بالحقيقة .

التوحيد ومكانة الملائكة ..
في العقيدة الإيزيدية يتجلى التوحيد بموقف واضح لا لبس فيه ، فالإيمان بالخالق الواحد الأوحد يعد جوهر الإيمان بالعقيدة وأي إقرار بقوى مستقلة خارج إرادة ( خودي ) يعد خروجاً عن وحدانيته وتبريراً خاطئاً لأفعال البشر .

الملائكة في الإيزيدياتي عددهم سبعة ، وهم ليسوا آلهة بل تجليات نورانية لإرادة الخالق ، خلقوا من نوره و أوكل إليهم مهام تنظيم شؤون الكون .

طاووس ملك رئيس الملائكة وهو أول نور منبثق من الخالق ( خودي / الله ) أي أنه نور ( خودي / الله ) بمعنى ( سر الله ) أو روح الخالق ومن هذا النور تكونت الملائكة السبعة .
بمعنى أنه ليس أحد الملائكة السبعة ، لكنه موجود في سبعتهم ويعد رمزاً للخير والجمال وللتوازن بين الحرية والمسؤولية وهو ليس إلهاً مستقلاً بل أقرب إلى تمثيل الذات العليا ( خودي ) .. في الإيمان الإيزيدي وهو رمز وتجلً للعدل والكرامة والسر الرباني وحامل للأمانة ومدبر للكون .

لا يوجد في الفلسفة الإيمانية للديانة الإيزيدية إله أو ملاك أو مخلوق يمثل الشر ، بل إن الخير من عند ( خودي / الله ) والشر من النفس البشرية والخالق ( خودي / الله ) هو المسيطر على الخير والشر بشكل كامل .
كما جاء في دعاء الصباح :
” يا خودي خيري بده شه ري وه ركره “
أي : ” يا الله أعطنا الخير وأبعد عنا الشر ” .

الخليقة والكون والطبيعة المقدسة ..
تقول الفلسفة الإيزيدية إن الخلق بدأ بانفجار ما يعرف بـ ( الدرة الربانية ) ومنها انبثقت الحياة والوجود ومن هنا فإن الكون ليس مجرد مادة ، بل كيان حي نابض بالإرادة الإلهية .

وتمنح العقيدة الإيزيدية عناصر الطبيعة الأربعة ( الماء ، الهواء ، النار ، والتراب ) مكانة مقدسة كونها المواد التي تشكل أساس الخلق .

تعد لالش النورانية خميرة الأرض التي أنزلت عليها بإرادة الخالق ( خودي ) وفيها يوجد ( كانيا سبي / العين البيضاء ) وهي قبلة الصلاة ( الدعاء ) لدى الإيزيديين داخل المعبد حصراً .

أما خارج لالش يتوجهون الأيزيديين صلواتهم نحو ( الشمس ) بوصفها رمزاً لتجلي النور الإلهي ، ليس باعتبارها معبودة ، بل لأنها أعظم تجل محسوس لنور الخالق في هذا العالم ولهذا يتوجهون نحوها في صلواتهم وأدعيتهم .

لنتعرف بشكل صحيح على المفاهيم الإيمانية عند الأيزيديين علينا ان نطلع على الأقوال الدينية عنهم .
بعض السبقات ( الآيات ) من الأقوال الدينية الإيزيدية :

پەدشێ من دور ژخوە چێكر – ربي خلق الدرة من ذاته
پەدشێ من دور ژخوە ڤاڤارا – ربي فرق الدرة عن ذاته
دور ژكليما پەدشێ یە – الدرة من كلمة الله

ژ ئەول ئافراندبوو ملیاكەتە – في البدء خلق الملائكة
پەدشایە وهەر هەفت سورێت خەولنە – الله والملائكة السبعة
وێ رایەكێ ل ناف خوە دكەنە – يتشاورون فيما بينهم

ئێقین دێ كنیاتەكێ ئاڤاكەنە – يقيناً سيخلقون كوناً
دور برنگا خەملی – تلونت الدرة بمختلف الألوان
سپی بو و سۆر بو و سەفری – أبيضت واحمرت وأصفرت

پەدشێ من یێ جەبارە – ربي جبار
ژ دورێ ئافراندبون چارە – خلق من الدرة أربعة
بایە وئاخە وئاڤە وئاگرە – الهواء والتراب والماء والنار

عەرد چێكرن وعەزمان ل سەرا نژرین – صنعوا الأرض ومن فوقها السماء
بناڤێ خودێ شەكرین – شكروا باسم الله
عەزیزێ من عەرد بێی وێ سورێ نەتەبتی – الأرض من غير ذلك السر لم تستقر

هەتا موحەبەتا خەرزێ نورانی ب ناڤدا نەدهنارە – حتى ظهر فيها لالش
كو لالش نزلی – ما أن أُنزل لالش
نورا موحبەتێ هات ژ قندلی – نور المحبة جاء من القنديل

عەرد شابوو ب رنگا خەملی – طابت الأرض وتزينت بالألوان
كو لالش دهاتە – ما أن جاء لالش
ل عەردێ شین دبوو نەباتە – على الأرض نمت النباتات

پێ زەینی چقاس كنیات – تزين بها كل الكون

الروحانية والممارسة الإيمانية …
الروحانية في الديانة الإيزيدية لا تختزل في طقوس جامدة ، بل تفهم بوصفها طريقاً لتصفية القلب وتزكية النية وترجمة الإيمان إلى أعمال مبنية على المحبة والرحمة .

الأدعية ( الصلاة ) تؤدى ثلاث مرات يومياً (عند الفجر ، والظهر ، والمساء ) في توافق مع حركة الشمس ويرافقها تأمل صامت خاشع .

كما يمارس الصيام في أوقات محددة ويردد كل إيزيدي الشهادة قبل النوم كعهد متجدد مع الخالق .
لكن الطريق إلى النور الإلهي لا يعبد بتكرار الصلوات أو التشدد في الصيام ، بل بالنية الطاهرة والقلب المليء بالرحمة وفعل الخير .

كما ورد في الأقوال الدينية للإيزيدية :

هەکە تو ئێکی دبینی – إذا لاقيت شخصاً ما
خێرەکێ ڤێرا بگەهینی – وفعلت له خيراً
نەبێژێ تو ژکی دینی – لا تسأله عن دينه
هەکە تە خێرەک د رێیا خودێ دا دابی – إذا فعلت خيراً في سبيل الله
تە د ئاڤەکێدا بەردابی – وإن رميته في الماء
ل با خودێ قەت هندا نابی – لن يضيع أجرك عند الله

بمعنى : ( اعمل الخير مع الجميع ولا تسأل عن دينهم أو ملتهم ) وهنا يتجلى البعد الإنساني العميق لهذا الإيمان .

أن تهدي ابتسامة لطفل يتيم أو تقاسم رغيف خبز مع جائع ، أرفع عند ( خودي ) من ألف سجدة أو دعاء .

جوهر العبادة ..
العبادة في الفلسفة الإيزيدية ليست حركة جسد بقدر ما هي حركة روح .. بمعنى أننا لا نعبد الخالق بالانحناء فقط ، بل من خلال تحمل مسؤوليتنا المقدسة تجاه الخلق ونجسِّد عدله الإلهي ونحمل رحمته ونسعى أن نكون مرايا تعكس حضوره في العالم .

لذا تؤكد العقيدة الإيزيدية بأن المعبد الحقيقي ليس من حجر ، بل من روح تنبض بالمحبة والعدل والإخلاص .

( خودي ) في إدراكنا الإيماني لا يقاس بالزمان ولا يحد بالمكان .. فمن يشع النور من قلبه فهو في حضرته ولو لم يسجد يوماً أبداً .. ومن يحمل الظلم والظلام في نفسه فهو غريب عن نوره ولو أطال الدعاء وتمادى في الطقوس .

دعوة إنسانية لا عقيدة مفروضة ..
ليست الفلسفة الإيمانية الإيزيدية دعوة تفرض ولا عقيدة تلزِم .. بل رؤية تقدم كمرآة لجوهر الإنسان .

طريق ( خودي ) لا يرسم بالحبر على الورق ، بل يرسم برحمة في خطواتنا ، ويزرع صدقاً في كلماتنا ويجسد في أعمالنا التي لا تطلب مدحاً بل تطلب رضا الخالق العظيم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى