“المقاومة الإيزيدية” ضرورة… وانتزاع سلاحها بمثابة إنتحار

مركز الأخبار

لم يكن سقوط مدن عراقية بيد داعش حدثاً عابراً في نشرة الأخبار، بل كان لحظة كشفت هشاشة منظومة دفاعية كاملة. بعد تظاهرات الفلوجة والرمادي والمناطق الغربية، وظهور “ثوار العشائر” تمدد مشروع “دولة الخلافة” بسرعة صادمة وبلا مقاومة تذكر في محطات كثيرة. كانت البلاد تقف على حافة سيناريو أخطر: حدود تمحى، وجغرافيا تعاد كتابتها بين العراق وسوريا… لولا أن الحقيقة اصطدمت بجدار لم يكن داعش يتوقعه.

ذلك الجدار كان سنجار

عندما وصل التنظيم إلى قضاء سنجار غرب نينوى لم يكتف بالاحتلال بل فتح أبواب الجحيم على الإيزيديين( قتل وخطف واستعباد وتهجير ومحاولات محو للهوية) جرائم دفعت أكثر من 15 دولة للاعتراف بأنها إبادة جماعية. ومع ذلك لم يتحول الإيزيديون إلى “ضحية صامتة” كما أراد داعش بل صاروا عقدة في حلقه لأنهم تعلموا الدرس الأشد قسوة من لا يمتلك وسيلة دفاعه قد يمحى خلال ليلة واحدة.

منذ 2014 يعيش المجتمع الإيزيدي تحت إحساس وجودي بالخطر. الذاكرة ليست خبراً قديماً إنها صور حية في البيوت، وأسماء مفقودين، ومقابر جماعية، ونساء لم تندمل حكاياتهن. لهذا لم يعد الحديث عن “الدفاع الذاتي” شعاراً سياسياً أو نزوة مسلحة بل مطلباً يراه الايزيديون شرطاً أساسياً لن تتكرر الفاجعة. في ظل هذا الشعور، برزت “وحدات مقاومة سنجار (YBŞ)” كقوة محلية تشكلت من أبناء المنطقة لحماية جبل سنجار و الشعب الايزيدي بعد صدمة 2014.

وبين الحاجة إلى الأمن والاستقرار وتعقيدات المشهد العراقي تبقى أولوية الإيزيديين واضحة حماية مستدامة تحترم القانون وتضمن لهم حياة آمنة فوق أرضهم التاريخية في سنجار لا حماية مؤقتة تسحب عند أول أزمة.

أول مقاومة عراقية على خط النار “المقاومة الإيزيدية

في أغسطس 2014، وبينما كانت سنجار تترك لمصيرها وصل مقاتلون من حزب العمال الكردستاني إلى جبل سنجار للمساندة وفتح طريق نجاة. شق ممر إنساني نحو سوريا أنقذ ما تبقى من المحاصرين وهناك بدأ التحول الحقيقي عشرات الإيزيديين انضموا للدفاع عن أهلهم لا بدافع المغامرة بل بدافع البقاء.

بعد تأمين الممر لم ينتظر الإيزيديون “المنقذ” من بعيد. نظموا أنفسهم وشكلوا قوى عدة وحدات مقاومة سنجار وحدات المرأة الشنكالية أسايش إيزيدخان ومجاميع أخرى توزعت لحماية مناطق جبل سنجار كل مجموعة تعرف مهمتها وحدودها ومسؤوليتها.

ثم جاءت المرحلة الأصعب الانتقال من الدفاع إلى التحرير. وبإمكانات بسيطة، وبدعم دولي لاحق شاركت هذه المجاميع في تحرير ناحية سنوني وقضاء سنجار. لم تكن تلك معركة أرض فقط، بل معركة استعادة الثقة بالنفس. وفي عام 2017، شاركت المقاومة الإيزيدية بتحرير مناطق جنوب سنجار ومناطق أخرى بالتنسيق مع قوات الحشد الشعبي والقوات العراقية.

التكوين: من قوة محلية إلى “ممسك أرض”

بعد تحرير سنجار، لم تختف هذه القوة. بل انضمت وحدات مقاومة سنجار لاحقاً إلى الحشد الشعبي تحت علم العراق وأصبحت قوة تمسك الأرض وتساهم في حفظ الأمن داخل المنطقة.

ورغم ذلك ما تزال المشكلة قائمة هذه القوة لم تجد حتى الآن مساراً واضحاً للاندماج المنظم داخل المنظومة الدفاعية الرسمية العراقية(الدفاع أو الداخلية) بصورة تنهي الجدل وتضع السلاح تحت إدارة الدولة بشكل لا يترك فراغاً ولا يسمح بعودة الكارثة. بالنسبة لشرائح واسعة من الإيزيديين بقاء هذه الوحدات ليس رفاهية بل “خيار لا يمكن الاستغناء عنه” لأن الفرد الايزيدي يرى فيها الضامن الأقرب لحمايتهم إذا عاد الخطر.

الاستغناء يعني الانتحار

اللافت أن كثيرين حتى الخصوم قبل الأصدقاء يعترفون بأن وجود وحدات مقاومة سنجار بات ضرورة أمنية وأن التعامل معها يجب أن يكون ضمن منطق الدولة تنظيم ،دعم ،دمج، تكريم لا تفكيك وترك فراغ.

يقول الناشط الإيزيدي سعد حمو:
“السلاح الإيزيدي الذي قاتل إرهابيي داعش لم يكن ولن يكون خارج إطار القوانين الدولية، إذ إن جميع القوانين والأعراف الدولية تمنح أي أمة تعرضت لإبادة جماعية حق حماية نفسها بنفسها.”
ويضيف: “ليس لدى المقاومة الإيزيدية… أي انتماء أو هدف سوى حماية الشعب الإيزيدي… وستبقى هذه القوة سنداً وحماية لهذه الأمة.”

كما طالب النائب الايزيدي مراد إسماعيل بدمج القوات الإيزيدية التي قاومت داعش ضمن المنظومة الدفاعية العراقية، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية.

في المقابل حذر رئيس عشيرة القيران الشيخ خدر حجي ميرزا من “مؤامرة لكسر سلاح المقاتل الإيزيدي” مؤكداً أن ما يجتاح الشرق الأوسط من فوضى يجعل الأقليات والإيزيديون تحديداً الأكثر حاجة لامتلاك وسيلة حماية تمنع تكرار الإبادة، محذراً من تدخل بعض الشخصيات المحلية في مخططات تستهدف هذه القوات.

بدوره، أكد الصحفي الإيزيدي أحمد شنكالي وجود “خطة” يضعها أعداء سنجار وبعض من يدعون صداقتها، لكنه شدد على أنها لن تنجح طالما توجد عقول وشخصيات ترفض المساومة على أمن سنجار، مضيفاً أن القيادات الإيزيدية تدرك أن هدف المجتمع واحد حماية المكون من أي خطر وعدم الانجرار إلى مخططات تنهي “السلاح الذي قاتل داعش”.

ولهذا يرى الشارع الإيزيدي أن انتزاع السلاح قبل بناء بديل رسمي مضمون ليس خطوة تهدئة بل خطوة إلى الهاوية. بالنسبة لهم نزع السلاح دون ضمانات يعني شيئاً واحداً: تكرار 2014… لكن بنسخة أسرع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى