العراق على مفترق طرق: هل تمتد تداعيات المشهد السوري إلى الداخل العراقي؟

مقالات/ پير حيدر
بعد سقوط نظام بشار الأسد في العام المنصرم، وسيطرة جماعات مسلحة كانت مصنّفة إرهابياً على مفاصل السلطة في دمشق، دخلت سوريا مرحلة جديدة اتسمت بالفوضى الأمنية والانتهاكات الواسعة بحق المكونات الأصيلة في البلاد. فقد شهد الساحل السوري حملات تطهير عرقي طالت أبناء الطائفة العلوية، تلتها انتهاكات بحق الدروز في السويداء، وصولاً إلى مدينة حلب حيث تعرّض الكرد والإيزيديون لسياسات قمع وتهديد ممنهجة، شملت الاعتداء على وجودهم التاريخي في أرضهم، وإطلاق تهديدات مباشرة لاجتياح مناطق شمال وشرق سوريا، التي ما تزال تنعم بدرجة من الاستقرار تحت إدارة وحماية قوات سوريا الديمقراطية.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة:
هل يمكن أن يتكرر ما حدث في سوريا داخل العراق؟
مخاوف عراقية في ظل تصعيد إقليمي متسارع
تتزايد المخاوف داخل الأوساط العراقية من انتقال تداعيات الفوضى السورية إلى الداخل العراقي، لا سيما في ظل التصعيد الأميركي المتواصل ضد إيران، والتهديدات المباشرة للفصائل المسلحة العراقية، وعلى رأسها قوات الحشد الشعبي، التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش وتأمين البلاد من خطر عودته.
إن أي ضغوط سياسية أو عسكرية قد تؤدي إلى إضعاف المنظومة الأمنية العراقية أو خلق فراغ أمني، من شأنها أن تفتح المجال أمام الجماعات الإرهابية لإعادة تنظيم صفوفها أو التسلل عبر الحدود، مستفيدة من هشاشة بعض المناطق الحدودية، ولا سيما الحدود العراقية–السورية.
الأقليات العراقية… الحلقة الأضعف في أوقات الاضطراب
لا يمكن الحديث عن أي سيناريو أمني محتمل في العراق دون التوقف عند وضع الأقليات، التي كانت ولا تزال الأكثر تضرراً من الصراعات والحروب. فمنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، دخلت البلاد في دوامة من الفوضى والحرب الطائفية، دفعت الأقليات ثمناً باهظاً تمثل في القتل والاختطاف، ومصادرة الممتلكات، والتهجير القسري من مناطقهم التاريخية.
وكان الإيزيديون في طليعة الضحايا، لا سيما بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطقهم عام 2014، وارتكابه جريمة إبادة جماعية موثقة بحقهم، لا تزال آثارها الإنسانية والاجتماعية والنفسية حاضرة حتى اليوم.
إن السيناريو الذي يخشاه العراقيون، وخصوصاً أبناء الأقليات، يتمثل في احتمال تسلل أو عودة جماعات متطرفة شبيهة بتلك التي تنشط في الساحة السورية حالياً، مستغلة أي ضعف داخلي ناتج عن صراعات إقليمية أو ضغوط دولية، مثل الدعوات إلى تفكيك بعض القوى الأمنية أو توجيه ضربات عسكرية في الإقليم.
مسؤولية الحكومة العراقية في هذه المرحلة الحساسة
أمام هذه التحديات، تقع على عاتق الحكومة العراقية مسؤولية تاريخية في حماية البلاد ومنع انزلاقها نحو الفوضى. ويتطلب ذلك من الحكومة، والجيش العراقي، وجميع الأجهزة الأمنية، اتخاذ تدابير عاجلة وحاسمة لضمان استقرار العراق، وتفويت الفرصة على كل من يتربص بأمن الدولة ووحدة أراضيها.
ويشمل ذلك:
تعزيز الجاهزية الأمنية، ولا سيما في المناطق الحساسة ومناطق الأقليات.
منع أي فراغ أمني قد تستغله الجماعات الإرهابية.
تحصين القرار الأمني الوطني من الضغوط الخارجية.
ضمان حماية جميع المكونات العراقية دون تمييز، باعتبار ذلك أساس الاستقرار الوطني.
خاتمة
إن ما جرى في سوريا يمثل جرس إنذار حقيقياً للعراق، لكنه لا يعني بالضرورة تكرار السيناريو نفسه. فالعراق اليوم يمتلك تجربة قاسية مع الإرهاب، ودروساً مريرة دفع ثمنها جميع أبنائه، ولا سيما الأقليات. ويبقى الرهان الأساس على وعي الدولة، وتماسك مؤسساتها، وقدرتها على حماية مواطنيها، ومنع تحويل أرض الرافدين إلى ساحة جديدة لصراعات الآخرين.
تنويه:
هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه وتحليله للأحداث، ولا يمثّل بالضرورة وجهة نظر الجهة الناشرة.



