تهديدات تركيا للعراق: بين سياسة فرض الأمر الواقع وواجب الرد السيادي

مقالات/ پير حيدر

منذ أكثر من عشرين عامًا، تنتهج الدولة التركية سياسة تدخل ممنهجة في الشأن العراقي، تجاوزت حدود الأعراف الدبلوماسية ومبادئ حسن الجوار، لتأخذ طابعًا عسكريًا وسياسيًا مباشرًا. وبين الحين والآخر، تطلق أنقرة تهديدات علنية بالتدخل داخل الأراضي العراقية، في مشهد بات مألوفًا، وسط صمت دولي وتراخٍ في الردود الرسمية.

لم تكتفِ تركيا بالتهديدات، بل توغلت قواتها في عمق الأراضي العراقية، وأنشأت قواعد عسكرية دائمة، ونفذت عشرات العمليات العسكرية التي استهدفت القرى والبلدات الآمنة، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين العراقيين، تحت ذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني، في انتهاك واضح لسيادة العراق ووحدة أراضيه.

نينوى وكركوك في صلب الأطماع التركية

تتجه أنظار تركيا منذ زمن بعيد نحو محافظتي نينوى وكركوك، ضمن مشروع توسعي يسعى إلى فرض نفوذ سياسي وأمني دائم داخل الأراضي العراقية. وتستخدم أنقرة ملف حزب العمال الكردستاني كغطاء لتبرير تهديداتها المتكررة بالتدخل العسكري، ولا سيما عبر قضاء سنجار، الذي ترى في الوجود الإيزيدي وقواته المحلية خطرًا على أمنها القومي، في حين أن هذا الوجود هو بالأساس دفاع مشروع عن الأرض والمجتمع بعد جرائم الإبادة التي تعرّض لها الإيزيديون.

الدور التركي في صناعة الفوضى

إن الدور التركي في العراق ليس محلّ جدل، بل حقيقة راسخة تؤكدها الوقائع على الأرض، بدءًا من تسهيل مرور عناصر تنظيم داعش الإرهابي ودعمه لوجستيًا وإعلاميًا، وصولًا إلى النتائج الكارثية التي حلّت بالعراق عام 2014، حين تعرّض البلد لدمار أمني واجتماعي واسع. ولم يتوقف هذا الدور عند ذلك الحد، بل عملت تركيا على تشكيل ودعم ألوية مسلحة من مطلوبين للقضاء العراقي، تحت مسميات مثل “حرس نينوى” و“درع كركوك”، في محاولة واضحة لخلق أدوات محلية تابعة لها تُستخدم لفرض نفوذها والسيطرة على هذه المناطق الحساسة.

سقوط الذرائع بعد مبادرة السلام

في السابع والعشرين من شباط من العام الماضي، أُعلنت مبادرة السلام التي طرحها عبد الله أوجلان، والتي تضمّنت حلّ حزب العمال الكردستاني. وبذلك، سقطت جميع الذرائع التي طالما استخدمتها تركيا لتبرير وجودها العسكري داخل الأراضي العراقية، وأصبح استمرار هذا الوجود خرقًا قانونيًا وسياسيًا لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، ما يفرض على أنقرة الانسحاب الفوري وإخلاء قواعدها العسكرية احترامًا لسيادة العراق.

مسؤولية الدولة العراقية

أمام هذا الواقع، لا يمكن للحكومة العراقية أن تكتفي بسياسة الصمت أو البيانات الخجولة. بل يقع على عاتقها واجب وطني وقانوني واضح، يبدأ باستدعاء السفير التركي في بغداد وتقديم مذكرات احتجاج رسمية، ويتطلب الذهاب أبعد من ذلك عبر تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي بشأن التهديدات التركية والأطماع المعلنة، باعتبارها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتعديًا مباشرًا على سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة.

إن حماية السيادة العراقية ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام دستوري وأخلاقي، وأي تهاون في مواجهة هذه التهديدات لن يؤدي إلا إلى ترسيخ سياسة فرض الأمر الواقع على حساب أمن العراق ووحدته ومستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى