العراق ما بين المتر والقدر عدالة مفقودة في بلاد الرافدين

مقالات / مراد الخالتي
في العراق اليوم نعيش في مفارقة مضحكة ومبكية في آن واحد، تختصر قصة الفساد المشرعن الذي نخر عظام الدولة. كيف يستوعب العقل أن مؤسسة تابعة لجهة سياسية تضع يدها على آلاف الأمتار من أراضي الدولة بأسعار رمزية لا تشتري علبة سجائر بينما يضطر المواطن البسيط لدفع مئات الآلاف من أجل متر واحد فقط ليأوي جسده بعد الموت.
هذا الخلل ليس صدفة بل هو استغلال ذكي لثغرات قانونية مثل قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21 الذي يمنح صلاحيات واسعة لاستثناء جهات معينة تحت مسمى النفع العام. هذه العبارة المطاطة تحولت إلى بوابة خلفية لسيادة الأحزاب حيث تُهدي الدولة أراضيها لقادة الكتل ومؤسساتهم بـ أثمان بخسة بدعوى إقامة مشاريع خدمية بينما هي في الحقيقة توسيع للامبراطوريات الاقتصادية الخاصة بتلك الأحزاب على حساب الملك العام.
الحقيقة المرة هي أن القوانين صُفّدت لتكون على مقاس الكبار فبينما تُمنح الأراضي الشاسعة بقرارات استثنائية من مجلس الوزراء تُترك المقابر لرحمة السماسرة والاستثمارات الجشعة التي حولت الموت إلى تجارة رابحة تخضع للعرض والطلب. هذا التناقض يوضح كيف تحول الفساد من سرقة عابرة إلى بؤرة مؤسساتية محمية بنصوص قانونية حيث صار للسياسي قصره بأبخس الأثمان، وللفقير قبره بأغلى الأثمان.
عندما يصبح الموت مكلفاً أكثر من الحياة وتصبح أرض الدولة هدايا تُوزع على المتنفذين بقرارات رسمية فعن أي قانون نتحدث؟
إنها فجوة طبقية تُبنى فوق الأرض وتحتها تُخبرنا بوضوح أن حقوق المواطن تتبخر أمام نفوذ الكتل وأن الفساد لم يعد خرقاً للقانون بل صار هو القانون الذي يُكتب بالعلن ويُطبق بدم بارد على حساب كرامة الأحياء والأموات.



