تحالف القضية الايزيدية ، بين مطرقة المؤامرات وسندان الإصلاح الداخلي

احمد شنكالي
شهدت الساحة السياسية الإيزيدية مؤخراً حراكاً لافتاً تمثل في بزوغ “تحالف القضية الإيزيدية”، الذي استطاع حصد قرابة 49,000 صوت من إجمالي نحو 100,000 صوت أدلى بها الناخبون الإيزيديون. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية انتخابية، بل هو صرخة احتجاج ورغبة عارمة في التغيير بعد عقود من المراوحة في المكان ، هذا الرقم الضخم لم يكن مجرد تصويت عابر، بل كان “تفويضاً شعبياً” للبحث عن بديل حقيقي ينهي عقوداً من التبعية .. فوز التحالف هو إعلان صريح عن رغبة الشعب في كسر الجمود السياسي الذي هيمن على المشهد لقرابة العشرين عاماً
لقد جاء هذا الالتفاف الجماهيري نتيجة تراكمات الفشل في التجربة السياسية الإيزيدية على مدار عقدين من الزمن ، لم يكن تصويت الألوف المؤلفة للتحالف مجرد اختيار لأسماء، بل كان تمرداً على تجربة سياسية وُصفت بالفشل، سواء في أداء الأحزاب الإيزيدية أو الأحزاب الكردية التي استوعبت الصوت الإيزيدي لسنوات دون تحقيق تطلعاته السيادية
كان الهدف الأساسي هو إيجاد صوت إيزيدي “حر وحقيقي” داخل قبة البرلمان، صوت لا يخشى التوازنات السياسية ولا يداهن على حساب شعبه ، لا يخضع للأجندات الحزبية الضيقة التي قد تتعارض مع خصوصية القضية الإيزيدية..
كان الهدف أن يتحول الفوز إلى رمز للاتفاق الإيزيدي الشامل، ينهي حالة التشظي ويجعل من الممثل السياسي صوتاً للجميع ، أراد الإيزيديون في المخيمات، وشنكال، وولات شيخ أن يكون الفائز رمزاً لوحدتهم، متخلصاً من قيود التبعية الحزبية التي أضعفت القرار الإيزيدي لسنوات طويلة ، قدم الايزيديين درساً في الوفاء السياسي. رغم الظروف المعيشية والأمنية الصعبة، لم يقصر الجمهور في دعم التحالف، واضعاً ثقته الكاملة في هذا المشروع ليكون جسراً للعبور نحو استحقاقات قومية ووطنية أكثر إنصافاً
خلافات الداخل ومؤامرات الخارج
يواجه تحالف القضية الايزيدية، اليوم واقعاً معقداً يتمثل في جبهتين ، اولهما الجبهة الخارجية ، هناك محاولات حثيثة تُدار عبر قنوات ومجموعات منظمة تهدف لضرب شرعية التحالف قبل انتخابات مجالس المحافظات القادمة، من خلال تسويق خطاب “الفشل” والإيحاء بأن المشروع قد انتهى ، و ان قيادات التحالف غير متمكنة و ليس بامكانها احتواء طاقات و امكانات هذا الشعب و ان اي مرشح سيفوز عن التحالف سيتخلى عنهم و ان كرسي برلماني واحد لا يمكنه تغيير اي شيء من المعادلة ، توزيع هذه الاشاعات و الاخبار الكاذبة يربك جماهير التحالف قليلاً و يضعهم في خانة الشك ، و حتى ان كانت اخبار كاذبة و ملفقة الا انها منظمة و تخرج من مكان منظم و توزع بشكل منظم بين الجماهير ..
الجبهة الثانية و هي خلافات الداخل ، يبرز التحدي الأكبر في الخلاف القائم بين قيادة التحالف ونائبها الفائز منذ اليوم الأول للانتخابات. هذا الشرخ يمثل ثغرة يحاول الخصوم النفاذ منها لتفكيك هذا الكيان الشعبي ، تستغل هذه الثغرة البسيطة من قبل كوادر الاحزاب الكوردية الايزيدييين لضرب التحالف و نائبها مراد اسماعيل معاً و محاولة ابراز تجربتهم على انها تجربة فاشلة او تلميع احد الطرفين على حساب الاحر او من قبل جماهير مرشحي الكوتا الايزيدية او حتى من قبل الاكراد و العرب في سنجار الذين لا يتمنون ان يكون للايزيدية ثقل سياسي حقيقي لا في نينوى و لا بغداد ..
خارطة الإصلاح الشامل (الاستعداد للمستقبل)
لإنقاذ هذا المشروع وضمان استمراريته، لا بد من تبني استراتيجية إصلاحية جذرية تشمل ، اولاً الإصلاح التنظيمي و رفد كافة لجان وأقسام ومرافق التحالف بطاقات شبابية وكفاءات جديدة قادرة على مواكبة المرحلة، بعيداً عن الرتابة الإدارية و ليس بالضرورة ان يبقى المؤسس هو الرئيس و هو القائم بالاعمال او المتحدث او الذي يعطي الاوامر و ينهي الامور ، اثراء صفوف التحالف بالمؤهلات العلمية و العملية و الطاقات و الكفاءات الايزيدية في كل المجالات ضرورة حتمية و ملحة لمواجهة المرحلة المقبلة و تضخ دماءً جديدة في العقل السياسي للتحالف ..
ثانياً : سياسة الحل الوسط ، على القيادة الاستماع جيداً لنبض جمهورها و ان تأخذ بعين الاعتبار كل الاراء و الافكار و الاقتراحات و حتى الانتقادات و ان لا ترى في نفسها انها جهة فوق النقد او اعلى من اعطاء اقتراحات او ملاحظات ، يجب الاستماع الى صغار الايزيدية قبل كبارهم و كذلك وإيجاد صيغة تفاهم مرنة مع النائبرمراد اسماعيل و معالجة أي فجوة بين قيادة التحالف ونائبها في البرلمان عبر “حلول وسطية” تضمن وحدة الصف و لتوحيد الرؤية السياسية وضمان عدم تشتت الجهود و هذا الامر يقع على عاتق التحالف لانهم و باختصار تحالف و قيادة و قياديين و الطرف الثاني هو ” نائبهم ” شخص واحد ، يجب التركيز على انه وحدة الصف في هذه المرحلة هي الضمانة الوحيدة لمواجهة محاولات التفكيك و سد الطريق على كل المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد التحالف ..
ثالثاً : المرونة السياسية ، الانفتاح العقلاني والمرن في التعامل مع القوى السياسية الأخرى بما يخدم القضية الإيزيدية أولاً وأخيراً و اهمية الادراك السياسي بان اي تحالف او تكتل سياسي او حزب لن يمنح الايزيدية اي استحقاقات دون الاستفادة من تحالف القضية الايزيدية ..
استراتيجية التوسع الانتخابي المستقبلية
مع اقتراب انتخابات مجالس المحافظات، يتوجب على التحالف البدء فوراً ، بالتحشيد السياسي عبر ضم قوى إيزيدية جديدة للتحالف، مع التركيز المكثف على كسب مرشحي “الكوتا” اللذين لم يحالفهم الحظ في الفوز و حصلوا على نسبة اصوات عالية لتوحيد البيت الإيزيدي و الابتعاد عن ” الرفض ” السياسي و فتح الابواب امام جميع القوى السياسية و العسكرية في مناطق الايزيدية للانضمام الى التحالف و الاخذ بعين الاعتبار التوزان الجغرافي من خلال البحث عن شخصيات مؤثرة في مناطق بعشيقة، بحزاني، وولاشيخ، لإحداث توازن مع ثقل شنكال الانتخابي و استقطاب ابناء شعبنا من مناطق سكنهم الاخر و الخروج من دائرة ان تحالف القضية الايزيدية هو تحالف شنكالي و كذلك تبني موقف القوي بوضع قائمة كاملة من اكثر من 60 مرشح بما يتناسب مع عدد مقاعد مجلس محافظة نينوى و ان تكون القائمة الكاملة رسالة واضحة للخصوم وللجمهور بأن التحالف ما زال الرقم الأصعب في المعادلة و سيكون من القوائم المؤثرة في حكومة نينوى المحلية القادمة ..
في الختام ، إن دماء التغيير التي ضخها 49 ألف إيزيدي في عروق هذا التحالف لا يجب أن تضيع سدى، الوفاء لهؤلاء يتطلب شجاعة في الإصلاح، ومرونة في السياسة، وحزماً في مواجهة محاولات التفكيك. مستقبل التمثيل الإيزيدي المستقل مرهون بقدرة التحالف على ترميم بيته الداخلي قبل فوات الأوان ، إن المرحلة القادمة هي “مرحلة كسر العظم” فإما أن يستجيب التحالف لتطلعات جماهيره ويتحول إلى مؤسسة سياسية صلبة، أو يترك الساحة لتعود المظلومية الإيزيدية إلى المربع الأول.
المسؤولية اليوم تقع على عاتق القيادة لتكون بمستوى تضحيات وثقة الخمسين ألف صوت، ولتثبت أن “القضية الإيزيدية” لا تموت بالمؤامرات بل تحيا بالوحدة والتكاثف ..



