السيــرة الذاتية للقائد الإيـزيـــــدي الكبيـــرالشهيد سعيـد حسـن

مركز الأخبار

النشأة والبدايات

يُعدّ الشهيد سعيد حسن سعيد، المعروف باسم «أبو نوري»، واحداً من أبرز الشخصيات القيادية في المجتمع الإيزيدي، وأحد الشخصيات التي تركت أثراً واضحاً في الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية في شنكال، ولا سيما خلال السنوات التي شهدت أخطر المراحل في تاريخ الإيزيديين المعاصر.

وُلد سعيد حسن سعيد عام 1970 في قضاء سنجار، ونشأ وترعرع في كنف عائلة عُرفت بوطنيتها وتمسّكها بقضايا مجتمعها، وفي بيئة اجتماعية عانى فيها الإيزيديون، كما عانى عموم الشعب العراقي، من ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، فضلاً عن آثار الحصار الذي فرض أعباءً كبيرة على حياة الناس.

وبسبب تلك الظروف، لم يتمكن سعيد حسن من إكمال دراسته، واتجه في سن مبكرة إلى العمل، فاشتغل في الزراعة ومارس عدداً من الأعمال اليدوية الشاقة، وعاش عن قرب معاناة الناس البسطاء وهمومهم اليومية. غير أن الظروف المعيشية الصعبة لم تمنعه من الاهتمام بالشأن العام، بل ظل يحمل في داخله رغبة واضحة في المشاركة السياسية والاجتماعية والعمل من أجل الدفاع عن حقوق الإيزيديين وتحسين واقع مجتمعهم.

بداية النشاط السياسي والفكري

في عام 2000، تعرّف سعيد حسن على حركة حرية كردستان، وبدأ بالاهتمام بأفكارها ومشروعها السياسي والفكري، كما عمل على نشر أفكار القائد عبدالله أوجلان بين أبناء المجتمع الإيزيدي، وخصوصاً ما يتعلق بقضايا التنظيم المجتمعي وحقوق الشعوب والمكونات وضرورة مشاركة المجتمع في تقرير مصيره.

ومع مرور الوقت، توسع نشاطه وأصبح أكثر حضوراً في الساحة الاجتماعية والسياسية، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومكانته بين أبناء المجتمع الإيزيدي.

وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، وبدأت مختلف المكونات العراقية بمحاولات إعادة تنظيم صفوفها والمطالبة بحقوقها السياسية والإدارية والاجتماعية.

وفي تلك المرحلة، برز اسم سعيد حسن بشكل أكبر في الساحة الإيزيدية، حيث انخرط في العمل السياسي والتنظيمي، وسعى إلى تعزيز حضور الإيزيديين وتمثيلهم في الحياة السياسية العراقية.

تأسيس حركة الحرية والديمقراطية الإيزيدية

كان سعيد حسن من الشخصيات التي ساهمت في الجهود الرامية إلى تأسيس إطار سياسي إيزيدي مستقل، وفي عام 2004 تأسست حركة الحرية والديمقراطية الإيزيدية (TEVDA)، وكان سعيد حسن أحد الشخصيات القيادية فيها منذ مرحلة التأسيس.

واستمر في العمل ضمن الحركة حتى عام 2014، وخلال تلك السنوات لعب أدواراً متعددة في المجال السياسي والاجتماعي، وسعى إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف القوى والشخصيات الإيزيدية، والعمل على تجاوز الخلافات وتعزيز وحدة المجتمع.

كما اهتم ببناء العلاقات مع مختلف المكونات العراقية، انطلاقاً من قناعته بأن تعزيز العلاقات الاجتماعية والسياسية بين مكونات العراق يمثل عاملاً مهماً في حماية السلم المجتمعي وتقوية أواصر التعايش.

وكان من أبرز ما ميّز نشاطه خلال تلك المرحلة قربه من الناس، واستماعه إلى مشاكلهم، وسعيه إلى تحويل المطالب الاجتماعية إلى قضايا سياسية ومجتمعية يمكن طرحها والدفاع عنها.

الثالث من آب 2014.. نقطة التحول الكبرى

في الثالث من آب عام 2014، تعرض المجتمع الإيزيدي في سنجار لهجوم تنظيم داعش، الذي ارتكب جرائم واسعة النطاق بحق المدنيين الإيزيديين، من قتل وخطف وتهجير واستعباد وتدمير للممتلكات والمقدسات، في واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ الإيزيديين الحديث.

وفي تلك اللحظات المصيرية، كان أمام سعيد حسن خيار المغادرة مع عائلته والبحث عن مكان آمن، لكنه اختار البقاء في جبل سنجار إلى جانب أبناء مجتمعه.

قرر سعيد حسن، برفقة أفراد من عائلته وعشيرته، البقاء في الجبل، إلى جانب عدد كبير من أبناء المجتمع الإيزيدي، بهدف الدفاع عن وجودهم وحماية أهلهم ومواجهة خطر تنظيم داعش.

وكانت المكانة التي حظي بها سعيد حسن بين أبناء المجتمع عاملاً مهماً في التفاف عدد كبير من الأشخاص حوله. فبمجرد أن اتخذ قراره بالبقاء وحمل السلاح للدفاع عن أبناء مجتمعه، وجد المئات أنفسهم إلى جانبه، في لحظة كان فيها المجتمع الإيزيدي يعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخه.

تأسيس وحدات مقاومة شنكال YBŞ

بعد أيام من الهجوم، بدأت جهود تنظيم المقاومة الإيزيدية في جبل سنجار، وتم الإعلان عن تشكيل وحدات مقاومة شنكال (YBŞ).

وكان سعيد حسن من الشخصيات القيادية التي ساهمت في وضع أسس هذا التشكيل، ليصبح لاحقاً أحد أبرز قيادييه.

وشكلت وحدات مقاومة شنكال، جزءاً من جهود الدفاع عن المجتمع الإيزيدي في مواجهة تنظيم داعش، وشاركت في المعارك والعمليات التي هدفت إلى استعادة المناطق الإيزيدية وإنهاء سيطرة التنظيم عليها.

وبالنسبة إلى سعيد حسن، لم تكن المقاومة بالنسبة إليه مجرد مواجهة عسكرية، بل ارتبطت بمسألة وجود المجتمع الإيزيدي والحفاظ على هويته وأرضه، خصوصاً بعد ما تعرض له الإيزيديون من قتل وتهجير وخطف وانتهاكات واسعة.

تأسيس الإدارة الذاتية والعمل المجتمعي

لم يقتصر نشاط سعيد حسن على الجانب العسكري، بل انتقل إلى العمل على تنظيم المجتمع وإدارة شؤونه.

وفي أوائل عام 2015، ساهم في تأسيس الإدارة الذاتية في شنكال، في محاولة لتنظيم الحياة المدنية والاجتماعية والأمنية في المنطقة التي كانت قد خرجت لتوها من واحدة من أعنف الكوارث التي شهدتها.

وفي العام نفسه، ساهم في تأسيس الفوج الثمانين ضمن الحشد الشعبي، وتولى مسؤوليات مرتبطة به، في إطار مساعيه للمساهمة في حماية المنطقة وأبناء المجتمع الإيزيدي.

وهكذا وجد سعيد حسن نفسه أمام مسؤوليات متعددة في وقت واحد؛ فكان حاضراً في المجال السياسي، والعسكري، والاجتماعي، والتنظيمي، كما عمل على بناء العلاقات مع مختلف الجهات والشخصيات من أجل خدمة قضايا المجتمع الإيزيدي.

شخصية متعددة الأدوار

كان سعيد حسن شخصية جمعت بين أدوار متعددة. فقد عرفه الشعب الايزيدي قائداً سياسياً وعسكرياً وشخصية اجتماعية، كما كان حاضراً في اللقاءات والعلاقات السياسية التي تتعلق بمستقبل سنجار وقضايا الإيزيديين.

وعلى مدى سنوات، عمل في ميادين مختلفة، متنقلاً بين العمل السياسي والتنظيمي والعسكري والاجتماعي، واضعاً قضية المجتمع الإيزيدي في مقدمة اهتماماته.

كما عرف عنه التواصل المباشر مع أبناء المجتمع، وعدم ابتعاده عن الناس، الأمر الذي جعله يحظى بمكانة واحترام لدى قطاعات واسعة من الإيزيديين.

ونظراً إلى طبيعة أدواره ومواقفه، تعرض خلال سنوات نشاطه إلى مضايقات وتهديدات ومحاولات استهداف واغتيال، وفق ما يورده المقربون منه ورفاقه.

اللقاءات السياسية والبحث عن مستقبل شنكال

لم يكن نشاط سعيد حسن محصوراً في الجانب العسكري، بل كان يؤمن بأهمية العمل السياسي والدبلوماسي إلى جانب حماية المجتمع.

وفي السنوات التي سبقت استشهاده، شارك في لقاءات واتصالات مع مسؤولين وشخصيات سياسية عراقية، وناقش عدداً من الملفات المتعلقة بسنجار ومستقبلها، إضافة إلى القضايا التي تمس حياة الإيزيديين وحقوقهم ومستقبل منطقتهم.

وكان يسعى، إلى طرح قضايا شنكال والإيزيديين على طاولة الحوار السياسي، والمطالبة بإيجاد حلول للملفات العالقة، بما يضمن حماية المجتمع وحقوقه وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين وإعادة إعمار المنطقة.

استشهاده

في ظهيرة يوم 16 آب/أغسطس 2021، كان سعيد حسن، المعروف باسم أبو نوري، في مدينة سنجار ضمن وفد كان يضم عدداً من الشخصيات، وذلك في إطار لقاءات ومباحثات تتعلق بملفات تخص المنطقة، والتحضير للقاءات مع مسؤولين في الحكومة العراقية آنذاك.

وبعد خروجه من أحد الاجتماعات، تعرضت السيارة التي كان يستقلها لاستهداف بطائرة مسيّرة تابعة لعدوان التركي في مركز مدينة سنجار.

وأسفر الاستهداف عن استشهاد سعيد حسن وابن أخيه ومرافقه عيسى خديدا، فيما أصيب أحد مرافقيهما، وفق ما أُعلن في حينه.

كان خبر استشهاده صادماً بالنسبة إلى أبناء المجتمع الإيزيدي، وأثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار، باعتبار أن سعيد حسن كان من أبرز الشخصيات القيادية التي برزت خلال مرحلة ما بعد إبادة الإيزيديين على يد تنظيم داعش.

وباستشهاده، فقد المجتمع الإيزيدي شخصية سياسية وعسكرية واجتماعية بارزة، كان لها حضور واضح في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ سنجار.

أبو نوري.. الإنسان قبل القائد

إلى جانب أدواره السياسية والعسكرية والاجتماعية، ظل سعيد حسن في ذاكرة من عرفوه إنساناً قريباً من الناس.

فبحسب شهادات رفاقه وأصدقائه والمقربين منه، كان أبو نوري أباً وأخاً وصديقاً وسنداً للكثيرين، ولم تكن علاقته بالناس مرتبطة بمواقع المسؤولية أو القيادة، بل كانت قائمة على التواصل المباشر والمساندة والوقوف إلى جانب المحتاجين.

كان يرى أن المسؤولية تجاه المجتمع لا تتوقف عند حدود السياسة أو العمل العسكري، وإنما تشمل الوقوف مع الناس في أفراحهم وأحزانهم، والاستماع إلى مشاكلهم، والدفاع عن حقوقهم.

ولهذا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة كثير من أبناء سنجار، ليس فقط بوصفه قائداً شارك في مرحلة المقاومة ضد تنظيم داعش، وإنما بوصفه شخصية عاشت قضايا مجتمعها وتحملت مخاطرها حتى النهاية.

إرث سعيد حسن

يمثل تاريخ سعيد حسن جزءاً من مرحلة شديدة الحساسية في التاريخ الإيزيدي الحديث؛ مرحلة بدأت بالنشاط السياسي والاجتماعي، ثم تحولت بعد أحداث الثالث من آب 2014 إلى مرحلة مواجهة مفتوحة من أجل حماية المجتمع الإيزيدي ووجوده في سنجار.

ومن خلال انتقاله بين العمل السياسي والتنظيمي والعسكري والاجتماعي، أصبح اسمه مرتبطاً بالعديد من المحطات التي شهدتها سنجار خلال العقدين الأخيرين.

وبالنسبة المجتمع الايزيدي فإن إرثه لا يُقاس فقط بالمناصب والمسؤوليات التي شغلها، وإنما بالمواقف التي اتخذها في اللحظات الصعبة، وباختياره البقاء إلى جانب أبناء مجتمعه عندما تعرضوا للخطر، وباستمراره في العمل من أجل قضايا الإيزيديين حتى يوم استشهاده.

لقد ترك سعيد حسن خلفه سيرة حافلة بالمحطات والمواقف، وترك كذلك عائلة ورفاقاً وأصدقاء وأبناء مجتمع يرون في ذكراه جزءاً من ذاكرة سنجار الحديثة.

ذكرى لا تغيب

في السادس عشر من آب من كل عام، يستذكر أبناء المجتمع الإيزيدي ذكرى استشهاد سعيد حسن سعيد، ويستحضرون مسيرته التي امتدت من العمل السياسي والاجتماعي إلى المقاومة والدفاع عن سنجار.

وبعد سنوات من رحيله، لا يزال اسم أبو نوري حاضراً في أحاديث رفاقه وأصدقائه وأبناء مجتمعه، الذين يرون أن الرجل الذي قضى سنوات من حياته في خدمة قضايا الإيزيديين ترك خلفه إرثاً لا يرتبط فقط بمرحلة زمنية محددة، وإنما بذاكرة مجتمع عاش الإبادة والنزوح والمقاومة ثم بدأ رحلة البحث عن الأمان والعدالة وإعادة بناء الحياة.

رحل سعيد حسن في السادس عشر من آب عام 2021، لكن صورته بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوه.

فقد كان، كما يصفه المقربون منه، أباً وأخاً وصديقاً وسنداً، وقائداً اختار أن يبقى قريباً من شعبه في أصعب الظروف، وأن يضع حياته وإمكاناته في خدمة القضايا التي آمن بها.

ومن هنا، فإن استذكار سعيد حسن ليس مجرد استذكار لشخصية قيادية، بل هو استذكار لمرحلة كاملة من تاريخ سنجار، ولأجيال من الإيزيديين الذين واجهوا واحدة من أقسى المراحل في تاريخهم، وتمسكوا بأرضهم وهويتهم وحقهم في الحياة.

وسيظل اسم سعيد حسن سعيد «أبو نوري» جزءاً من ذاكرة شنكال، وشاهداً على مرحلة تركت آثارها العميقة في المجتمع الإيزيدي، وعلى مسيرة رجل اختار أن يكون بين أبناء شعبه في زمن الخطر، وأن يدفع حياته ثمناً لمواقفه وقناعاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى