الطبخة الأخيرة قبل 3 آب: من فتح أبواب شنكال للدولة الأسلامية داعش

مقالات / شيروان حجي

فلنعد قليلًا إلى ما قبل بداية الإبادة الجماعية للإيزيديين… ولنحاول أن نفكر بهدوء وتأمل.

عندما ظهر تنظيم “داعش” الإرهابي وسيطر على مدن كبيرة في سوريا والعراق، كان اسمه وحده يزرع الرعب في قلوب الجيوش والقوات التقليدية. كان التنظيم يتقدم بسرعة خاطفة، وتتساقط أمامه المدن والمناطق واحدة تلو الأخرى.

وعندما اقترب خطر داعش من شنكال، كنا نحن الإيزيديين أمام أعتى وأخطر تهديد في تاريخنا الحديث؛ فاختلاف ديننا ومعتقدنا عن الفكر المتطرف الذي تحمله تلك العصابات جعلنا هدفًا مباشرًا ومستهدفًا بالإبادة.

لكن قبل أن تبدأ الكارثة، كانت هناك مؤشرات كثيرة، مؤشرات لم نكن نجيد قراءتها في ذلك الوقت.


مؤشرات الكارثة وإخراج الجيش العراقي


كان من أبرز تلك المؤشرات الحراك الميداني الذي قادته القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني؛ حيث نظمت كوادر “اللقاء 17” بالتنسيق مع البيشمركة مظاهرات واحتجاجات واسعة رافضة لوجود الجيش العراقي في المنطقة.

وبفعل تلك الضغوط والمظاهرات، تم إخراج قيادة عمليات الجزيرة والبادية والجيش العراقي بالكامل من شنكال، وذلك بحجة أن شنكال منطقة “كردستانية”، وأن قوات البيشمركة والأسايش قادرة لوحدها على حمايتها ولا حاجة للجيش العراقي.

في ذلك الوقت، كنت مراهقًا صغيرًا وطالبًا لا يميل إلى الدراسة كثيرًا، ولكن كان لدي شغف آخر: كنت أفكر دائمًا بما قد يحدث غدًا، وأحاول قراءة ما هو أبعد من اللحظة.
كنت أجلس أحيانًا وأستمع إلى “راديو كردستان شنكال” الذي كان يُدار من قبل مراد هسكاني ومجموعة من أبناء شنكال المسلمين. كنت أسمع الخطابات والأغاني التعبوية عن البيشمركة، وكان الخطاب يُشجع الناس دائمًا على البقاء في شنكال رغم التهديدات المحدقة، بل إن البيشمركة كانت تمنع الأهالي من المغادرة بحجة أن الوضع “تحت السيطرة الكاملة”.

وقبل الإبادة بشهرين أو أكثر، بدأت قيادة البيشمركة بسحب الأسلحة الخفيفة من المواطنين بحجة أنها غير مرخصة، وأن الشعب لا يحتاج السلاح بوجود قوات تحميه. وبهذا، جُرّد أهالي شنكال من أبسط وسائل الدفاع عن أنفسهم.
اليوم، عندما أسترجع تلك الأحداث، أدرك أن كل تلك المؤشرات كانت تشير إلى طبخة خطيرة تُطهى خلف الكواليس… لكننا لم نكن نتخيل حجم الخيانة التي تنتظرنا.

بذور المقاومة: ولادة وحدات مقاومة شنكال (YBŞ)

في تلك الفترة العصيبة، كنا نجتمع في مقر “تفدة” (TAVDA)، وخصوصًا مع الرفيق الشهيد زردشت شنگالي. كنا نتناقش حول ضرورة تشكيل قوة من أبناء المنطقة وتدريبهم عسكريًا للاستعداد لأي خطر يهدد وجودنا.

وبالفعل، بدأنا التخطيط العملي.
في بداية شهر تموز/يوليو—قبل الإبادة بأسابيع قليلة—توجهنا نحو “روج آفا” في سوريا لتلقي التدريب العسكري والتأسيس لقوة خاصة بأبناء شنكال. وهناك، تم اختيار اسم YBŞ (وحدات مقاومة شنكال).

بعد وصولنا إلى منطقة “تل كوجر”، وصل إلينا عدد من قوات الكريلا، الذين استشعروا حجم الخطر المحدق بالمجتمع الإيزيدي. ودخلنا في تدريبات عسكرية مكثفة استمرت قرابة شهر وفق أساليب وخبرات الكريلا القتالية.

يوم النكسة وخيانة الانسحاب

ثم جاء يوم 2 آب 2014، وبدأ هجوم داعش الغاشم على شنكال.
قاوم أبطال قرى “كرزرك” و”سيباي” لساعات طويلة بأسلحتهم الخفيفة، بينما بدأ الانسحاب الكبير والمفاجئ لقوات البيشمركة. الصدمة التي لم نكن نتوقعها هي أن يتم الانسحاب بهذه الطريقة الصامتة، دون إبلاغ الأهالي أو تحذيرهم.

أتذكر ذلك الصباح جيدًا عندما أيقظنا الرفيق أشرف وقال كلماته التي هزت وجداننا:
شنكال وقعت بيد داعش… لقد انسحبت البيشمركة وتركت الأهالي لمصيرهم!”
في صباح 3 آب 2014، تحركنا نحن المجموعة المدربة نحو شنكال. وعند الحدود السورية، رأينا الفاجعة بأعيننا: آلاف العوائل تفرّ وسط فوضى ورعب يخلع القلوب.

دخلنا المنطقة ووصلنا إلى مركز للبيشمركة بين “سنوني” و”خانصور”، وبدأنا فورًا بتأمين حركة الأهالي. ومع وصول الدعم من قوات YPG (وحدات حماية الشعب)، تعاونا على فتح ممر آمن بين “دوهلا” و”دكوري” لإخراج الناس.

لكن الكارثة تكررت؛ فبعد أيام، وصلت قوة جديدة من البيشمركة وطالبتنا بتسليم النقاط والممر. وحقنًا للدماء ومنعًا للصراع الداخلي، سلّمناهم النقاط وتمركزنا على الحدود. ولكن بعد يومين فقط، انسحبت البيشمركة مجددًا من مواقعها لسقوط الممر مرة أخرى بيد داعش!


الملحمة والصمود في الجبل


تُرك آلاف الإيزيديين محاصرين في جبل شنكال يواجهون الموت والجوع والعطش، والحر اللاهب نهارًا والبرد القارس ليلاً.

لكننا لم نستسلم. نسقنا مجددًا مع قوات YPG والكريلا، وفتحنا ممرًا إنسانيًا جديدًا لإنقاذ المحاصرين، واقتحمنا مناطق جبل شنكال، وسنوني، وخانصور. خضنا معارك ضارية قدمنا فيها شهداء أعزاء، وعلى رأسهم رفاق من مجموعة الرفيق سوران.

أدخلنا المساعدات، وجلبنا السلاح، وبدأ آلاف الشباب الإيزيديين بالانضمام إلى صفوف المقاومة. قدمنا مئات الشهداء والقادة، ولكننا خضنا المعركة بشرف حتى تحررت شنكال وأجزاء واسعة من قراها..

الدروس المستفادة ووفاء للشهداء

هذه ليست مجرد قصة أرويها لنيل الإعجاب أو التباهي، بل لأنني كنت أحد أولئك الشباب الذين شهدوا كيف يتحول الاعتماد المطلق على الآخرين إلى فاجعة وطنية.

كنا شعبًا مطمئنًا لوجود قوات حماية عسكرية، نعتقد أن هناك من يقف في وجه الخطر نيابة عنا، ولكن عندما جاء الامتحان الحقيقي، وجدنا سلاحنا مسحوبًا، وقوات الحماية انسحبت، وأهلنا يواجهون الذبح وحدهم.

الإبادة لم تبدأ صباح 3 آب، بل بدأت قبل ذلك بكثير عندما تجاهلنا الإشارات ووثقنا أكثر مما يجب. الدرس الأكبر في حياتي هو: لا يمكن لشعب أن يضع مصيره ووجوده في يد غيره.
نحن لا نكره أحدًا ولا نطلب الانتقام، بل نريد توثيق الحقيقة ليتعلم أبناؤنا أن حماية المجتمع تبدأ من وعيه، ووحدته، وقدرته الذاتية على الدفاع عن نفسه.

فضل الكريلا وقوات اليبكي (YPG/YPJ)

وفي زحمة هذه الذكرى الأليمة، يفرض الحق والوفاء نفسه: إن التاريخ لن ينسى أبدًا الدور التاريخي والإنساني العظيم الذي لعبته قوات الكريلا (HPG) وقوات اليبكي واليبجي (YPG / YPJ).


ففي الوقت الذي كانت فيه القوات الرسمية تنسحب وتترك العزل لمصيرهم، جاء مقاتلو ومقاتلات الكريلا وقوات اليبكي كجيش من الأبطال، عابرين الحدود والقمم غير أبهين بقلة عددهم أو صعوبة جغرافية المنطقة.
الكريلا: كانوا بحق بمثابة جيش كامل بروح عقائدية صلبة؛ كسروا هيبة داعش، ودخلوا إلى قلب جبل شنكال ولم يسمحوا للإرهابيين باختراقه أو إبادة من احتمى به.


قوات اليبكي (YPG):
اندفعوا بشجاعة من روج آفا لفتح “الممر الإنساني الآمن” تحت وابل من الرصاص والمعارك الطاحنة، لينقذوا مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ من محرق الإبادة والموت عطشًا.
لقد اختلطت دماء مقاتلي الكريلا وقوات YPG بدماء أبناء شنكال من وحدات YBŞ؛ فسطروا معًا ملحمة إنسانية وعسكرية خالدة، وأثبتوا للعالم أجمع أن الأخوة الحقيقية والإنسانية تُقاس بالمواقف والتضحيات في أحلك الظروف، وليس بالشعارات والوعود الزائفة.
الرحمة والخلوّد لشهداء الإبادة الإيزيدية، والمجد والوفاء لكل مقاتل ومقاتلة من الكريلا واليبكي وYBŞ سكبوا دماءهم ليحيا شعبنا بحرية وكرامة.

قد نخسر الأرض، والبيوت، والرفاق… لكن أخطر ما قد نخسره هو الذاكرة.
لذلك، سأبقى أروي ما رأيته وعشته، ليس لفتح الجراح، بل حتى لا تتكرر المأساة مجددًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى